الثلاثاء، 6 جويلية، 2010

إلغـاء عقوبة الإعدام


إلغـاء عقوبة الإعدام
بين المواثيق الدولية وخصوصية التشريع الوطني
توطئة :
يقصد بعقوبة الإعدام إنهاء حياة المحكوم عليه بموجب حكم قضائي طبقا لنص قانوني
وتعتبر هذه العقوبة أكثر إثارة للجدل حول الإبقاء عليها أو إلغائها،
إذ يرى فريق من فقهاء القانون ضرورة إلغائها لتعارضها مع الغرض المتوخى من العقوبة الرامي إلى الإصلاح والتهذيب
في حين يرى فريق آخر ضرورة الإبقاء عليها كونها تحقق الردع العام الذي يحول دون ارتكاب الجريمة .
والواقع أن الأمر تعدى مرحلة الجدل الفقهي ودخل مرحلة مركزة للضغط من أجل إلغاء هذه العقوبة أو وقف تنفيذها على حد تعبير المدير الإقليمي للمنظمة العالمية للإصلاح الجنائي

والمتتبع للشأن الوطني عاين وجود حملة لإقناع الرأي العام بضرورة إلغاء عقوبة الإعدام من القانون الجزائري ، وهذه الحملة تستمد قوتها وزخمها من مسعى عالمي يهدف إلى نفس المسعى

غير أن هذا الإتجاه يجد معارضة صريحة من قبل المتمسكين بضرورة مراعاة جملة من الشروط في عملية سن وإصلاح القانون الجنائي وفي مقدمتها الموروث الحضاري ومرجعيات التشريع الوطني وخصوصيته

أولا : مسعى إلغاء عقوبة الإعدام

تحت وطأة أفكار عدة لعل أبرزها فكرة أنسنة القانون العقابي ،واحترام حقوق الإنسان ، برز اتجاه عالمي تقوده مؤسسات حقوقية وقانونية يسعى إلى إلغاء أو تجميد عقوبة الإعدام

وقد انخرطت بعض الدول في هذا المسعى وألغت العقوبة قانونا وعملا ، واحتفظت دولا أخرى بتطبيق هذه العقوبة وفي مقدمتها الصين ، إيران ، باكستان ، السعودية ، والولايات المتحدة

وقد وجد هذا المسعى صدى له عند بعض الأوساط الجزائرية القانونية الحقوقية ، والسياسية ، وتبرر هذه الأوساط انخراطها في هذه الحملة بجملة من المبررات الواقعية والمراجع القانونية والحقوقية هي نفسها التي يتمسك بها الإتجاه العالمي

1 ـ المبررات الواقعية :

يرى الاتجاه المؤيد لإلغاء عقوبة الإعدام أن العقوبة تعد انتهاكا للحق في الحياة ،والحق في عدم التعرض لعقوبة قاسية لا إنسانية أو مهينة ، وأن هذه العقوبة مرتبطة في معظمها بالجرائم السياسية

و أن المحاكمات غير عادلة والقاضي في العدالة الجزائرية غير حر، وأن شروط إصدار أحكام الإعدام غير متوفرة ، كما أن تنفيذ عقوبة الإعدام لا يترك مجالا لإصلاح الخطأ القضائي عند وقوعه

ويرى دعاة إلغاء عقوبة الإعدام من التشريع الجزائري أن الهدف المتوخى منها وهو الردع العام غير مضمون النتائج ، بل هناك من يجزم بعدم وجود أي دليل على ردعية هذه العقوبة ، وفي النهاية وطالما أن القانون الجزائري وضعي وان أحكام الشريعة غير مطبقة في جميع الأحكام الجزائية والجنائية فلماذا يقتصر تطبيق أحكام الشريعة الاسلامية إذن على عقوبة الإعدام وحدها

2 ـ المرجعيات القانونية والحقوقية :

يؤسس دعاة الغاء عقوبة الاعدام أو وقف تنفيذها على بعض النصوص القانونية الدولية لعل أهمها هو :

أـ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 :

الذي نص في المادة 3 على أن لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه

ب ـ البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد لدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1989 :

والذي دعا إلى إلغاء عقوبة الإعدام من اجل المساهمة في تعزيز الكرامة الإنسانية والتطور التدريجي لحقوق الإنسان

ج ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:

والذي يفرض مجموعة واسعة من القيود يجب استخدامها في الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام

د ـ الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل:

والتي تمنع منعا باتا تطبيق عقوبة الإعدام على الأطفال

هـ ـ الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان عام 82و2002

وعملا بما سبق ذكره في المجال الدولي وتجسيدا لما جاء في نصوص المعاهدات المذكورة أعلاه

أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة توصية تحت رقم 149/62 بتاريخ 18/12/2007 تتضمن وقف استخدام عقوبة الإعدام

وقد صوت على هذه التوصية 109 دولة

وامتنع عن التصويت 29 دولة من بينها لبنان ،المغرب ، والإمارات العربية المتحدة

وصوت ضد التوصية 54 دولة من بينها جميع الدول العربية الباقية

وتغيبت 05 دول من بينها تونس

وتعتبر الجزائر البلد العربي الوحيد الذي صوت على هذه التوصية

ولتفعيل هذه التوصية عقدت بالجزائر ندوة إقليمية في جانفي 2009 وصدر عن هذه الندوة جملة من التوصيات الحت من خلالها على الدول العربية بما يلي :

- إلغاء عقوبة الإعدام بعد وقف العمل بها

ـ مناشدة نشطاء حقوق الإنسان بتوعية المجتمع بالتخلي عن ثقافة الثأر ونشر ثقافة حقوق الإنسان

ـ ضرورة التقليص التدريجي للجرائم المعاقب عليها بالإعدام

ـ مطالبة القضاة بالإلتزام بالمعايير الدولية لضمان محاكمة عادلة

وتكريسا لهذا الموقف الذي اتخذته الجزائر ، دون الرجوع إلى المجتمع واستشارته من خلال مؤسساته الشرعية الرسمية والأهلية المختلفة تسعى بعض الأوساط من خلال عدة جبهات لمحاولة تزكية هذا الموقف

وأعتقد انها تسعى لحصر الاتجاه الرافض لإلغاء عقوبة الإعدام في الأوساط الدينية أو التيار السياسي الإسلامي ، وهذه مغالطة يجب التصدي لها من قبل رجال القانون الذين يرون بأن الإبقاء على عقوبة الإعدام في بعض الجرائم مسألة قانونية وليست قضية جنائية و قضية قضاء جنائي بامتياز وأن اعتبار الشريعة الإسلامية الغراء مرجعية لهذه العقوبة سوف يضفي على العقوبة وشاح العدل وليس رداء الهمجية مثلما يروج

ثانيا : المتمسكون بخصوصية التشريع الوطني

انطلاقا من أن تحديد العقوبة عند ارتكاب فعل مجرم تتحكم فيه ثلاث معايير على الأقل هي : خطورة الفعل ، خطورة الفاعل ، وجسامة الضرر

وتطبيقا لقاعدة شرعية وقانونية مفادها أن الجزاء يكون من جنس العمل

فإن التمسك بتطبيق عقوبة الإعدام بالنسبة للجرائم الخطيرة و عند مواجهة مجرمين محترفين لا أمل في إصلاحهم أو تقويمهم يعتبر أمرا بديهيا

وبعيدا عن أسلوب الرد المباشر على الاتجاه المطالب بإلغاء عقوبة الإعدام ، نحاول الرد على مزاعم هذا الاتجاه من خلال عرض مايلي

أ ـ المرجعية القانونية :

إن التمسك بضرورة الإبقاء على عقوبة الإعدام في القانون الجزائري ينطلق من قاعدة عامة مفادها أن النظام القانوني في المجتمع لابد أن يعكس القيم السائدة فيه وإلا ظل غريبا

ولئن كانت الشريعة الإسلامية طوال قرون عديدة المصدر الرسمي الأول لمجموع القواعد التي تقيم نظام المجتمع فتحكم سلوك الأفراد و علاقاتهم فيه ، فإنها لا تزال تحظى في الجزائر بمكانة متميزة في المنظومة القانونية ، رغم مواقف التيار التغريبي الصريحة المعادية لكل ما من شأنه أن يمت للإسلام بصلة ، ومواقفه الضمنية التي ترفض تطبيق بعض أحكام الشريعة الإسلامية تحت ذريعة أن القاضي الجزائري لا تتوفر فيه الشروط التي حددها الشرع الأسلامي ، وأن التمسك بالشريعة يقتضي تطبيق أحكامها كلية وليس جزئيا

ومن الجدير بالذكر أن الدستور الجزائري وهو القانون الأساسي في الدولة يسمو على المعاهدات والقوانين ، ويتعين عليها جميعا احترام أحكامه وإلا ألغيت لعدم دستوريتها

نص في مادته الثانية على أن الدين الإسلامي هو دين الدولة

ويجب التذكير أن الشريعة الإسلامية تعد المصدر الرسمي الثاني بعد التشريع وهذا ماجاء به القانون المدني الجزائري ـ الشريعة العامة ـ في المادة 01 منه والتي تنص على ما يلي : يسري القانون ـ loi ـ على جميع المسائل التي تتناولها نصوصه في لفظها أو في فحواها

وإذا لم يوجد نص تشريعي ، حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية

فإذا لم يوجد فبمقتضى العرف . فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي و قواعد العدالة .

و قانون الأسرة الجزائري في المادة 222 ينص على مايلي : ما لم يرد النص عليه في هذا القانون يرجع فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية

ونقول هذا آخذين بعين الاعتبار مانص عليه قانون العقوبات الجزائري في المادة الأولى : لا جريمة

و لا عقوبة أو تدابير أمن بغير قانون

لأن الأصل أن لا يخالف هذا القانون وغيره ما سبق ذكره ويتعين على المشرع الجزائري وعلى كل مكونات الدولة الجزائرية أن لا تخالف نصا صريحا قطعي الثبوت قطعي الدلالة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة

إن تطبيق عقوبة الإعدام عقوبة شرعها الله تبارك وتعالى للحفاظ على الحياة وردع المجرمين يقول الله تعالى "ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب لعلكم تتقون "

وأن الحكم بحد القتل قصاصا من القاتل هو عين العدل ونفي للجاهلية أما التعاطف مع الجاني على حساب الضحية فهو عين الهمجية

ويشرح العديد من الفقهاء بأن القصاص عبادة مثل الصيام والحج ولا يدخل في باب المعاملات

واعتبرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في بيان لها صدر في جانفي 2009 مسعى حذف الإعدام من القوانين محاولة للقفز على إرادة الشعب الجزائري المسلم وتجاوزا للدستور وتقليدا لجهات أجنبية وانسياقا وراء دعوات هيآت دولية أثبتت الأيام عجزها عن مجرد ادانة الجرائم البشعة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني في غزة

وصرح رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الجزائري , بان المجلس لا يطالب بإلغاء عقوبة الإعدام في كل الظروف خاصة في جرائم القتل التي يتوجب فيها القصاص في الشريعة الإسلامية، إذ يجب التمييز بين الحالات الخطيرة وغيرها من باب احترام الشريعة ومن باب مراعاة الواقع وحفظ الدماء والأرواح وقد قبل ممثل الجزائر في الأمم المتحدة مبدئيا بهذا الرأي

ب ـ الضمانات التي وفرها المشرع :

ـ لا عقوبة أو تدابير أمن بغير قانون

يجرم المشرع الجزائري و يعاقب بالإعدام بموجب قانون العقوبات على حوالي 15 جريمة وهذه الجرائم هي : الخيانة ـ التجسس ـ الاعتداء على نظام الحكم ـ تكوين نظام مسلح ـ جرائم التقتيل والتخريب المخلة بأمن الدولة ـ الأفعال الإرهابية ـ استيراد وصنع المتفجرات في بعض الحالات ـ إنشاء وإدارة حركة تمرد ـ اختلاس،تبديد ،سرقة أموال من طبيعتها أن تضر بمصالح الوطن العليا ـ تزوير النقود ـ القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد ـ التسميم ـ الضرب والجرح المؤدي إلى وفاة الأطفال إذا كان الجاني من الوالدين أو له سلطة على الطفل ـ تعذيب المخطوف والمحجوز تعسفا ـ الخطف من اجل تسديد الفدية ـ السرقة مع حمل السلاح الظاهر ـ الفرار أمام العدو

والمتمعن لهذه الجرائم يجد وأن البعض منها يمكن أن يتم تعديل عقوبتها ، فتستبدل عقوبة الإعدام

بعقوبة أخف كالسجن المؤبد أو السجن المؤقت دون مخالفة ما تمت الإشارة إليه

ـ الضمانات الخاصة بالمحكوم عليهم بالإعدام

حدد المشرع الجزائري إجراءات تنفيذ حكم الإعدام كما يلي :

- لا تنفذ عقوبة الإعدام إلا بعد رفض رئيس الجمهورية طلب العفو ويقدم الطلب ولو لم يطلبه المحكوم عليه

ـ لا يبلغ المحكوم عليه بالإعدام برفض العفو عنه إلا عند تنفيذ العقوبة

ـ لاتنفذ عقوبة الإعدام على الحامل أو المرضعة لطفل دون 24 شهرا ،و لا على المصاب بجنون أو بمرض خطير ،و لا أيام الأعياد الوطنية و الدينية ولا يوم الجمعة أو خلال شهر رمضان

- ينقل المحكوم عليه بالإعدام إلى إحدى المؤسسات العقابية المحددة في القانون ويودع في جناح مدعم أمنيا و يخضع لنظام الحبس الانفرادي ليلا و نهارا

- تنفذ عقوبة الإعدام على المحكوم عليه رميا بالرصاص

ويتم التنفيذ من غير حضور الجمهور ماعدا

ـ رئيس الجهة القضائية التي أصدرت الحكم

ـ ممثل النيابة العامة التي طلبت الحكم بها

ـ موظف عن وزارة الداخلية

ـ محام المحكوم عليه

ـ رئيس المؤسسة العقابية

ــ أمين الضبط

ـ رجل دين وطبيب

والملاحظ أن عقوبة الإعدام بالجزائر تم توقيفها منذ سنة 1993 بأمر من رئيس الدولة

ج ـ ليس هناكإجماع دولي على وجوب إلغاء عقوبة الإعدام

يرى العديد من فقهاء القانون أن عقوبة الإعدام ليست قضية جنائية بقدر ما هي قضية قضاء جنائي ، أي ان النقاش من الممكن أن ينصب حول تطبيقها وليس حول وجودها من عدمه

وأن مبادئ ميثاق الأمم المتحدة لا سيما المادة 2 فقرة 7 تنص على أن الأمم المتحدة ليست مخولة بالتدخل في المسائل التي تخضع للولاية القضائية المحلية للدولة، وعقوبة الإعدام هي إحدى هذه القضايا ولا يحق لآي دولة عضو فرض وجهة نظرها على دولة أخرى

وهناك بعض الدول على سبيل المثال حصرت عقوبة الإعدام في بعض الجرائم العسكرية و الجرائم السياسية (جرائم الخيانة، بعض أشكال القرصنة، الاعتداء المسلح على السفن الملكية) وهي : إنجلترا إيطاليا ، إسبانيا ، هولندا ، إيرلندا ، سويسرا، كندا ، و البرازيل.

ولا توجد دولة عربية واحدة ألغت عقوبة الإعدام إلغاء مطلقا

كما نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على انه في الحالات القصوى يجوز إيقاع حكم الموت في الدول التي لم تلغ فيها عقوبة الإعدام بالنسبة لأكثر الجرائم خطورة فقط

وقد اعترضت العديد من الدول رسميا على فرض وقف تنفيذ عقوبة الإعدام أو إلغاءها سنة 2008 في مذكرة وجهت للامين العام من بين هذه الدول جميع الدول العربية ما عدا تونس الجزائر المغرب فلسطين ولبنان



الخاتمة :

إذا كان المرجح أن إلغاء عقوبة الإعدام جملة وتفصيلا من قانون العقوبات الجزائري سيقابل بالرفض

فان مالا يدرك كله لا يترك جله إذ بالإمكان الحد من تطبيق هذه العقوبة وجعلها مقتصرة على بعض الجرائم امتثالا لأحكام الشرع القطعية من جهة ومراعاة لخطورة بعض الجرائم

وفي مقدمتها جريمة القتل ـ الاتجار بكميات كبيرة في المخدرات ـ الاختطاف من اجل الفدية

ولهذا أوجه نداء من أجل تكوين جبهة لتكييف عقوبة الإعدام بشكل يضمن الاستجابة للمواثيق الدولية وفي الوقت نفسه يراع خصوصية تشريعنا الوطني



ذ عمار خبابه



بالجزائر في27/03/1431

الموافق 13/03/2010

نص المحاضرة التي القيت

باليوم الدراسي لحركة النهضة

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق